دموع الأبرار

 

 

 

على مصاب أبي الأحرار

 

 

 

 

محمد علي الحسيني

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

بقلم: الأستاذ الشيخ أبي علي البصري

 الحمد والثناء لله ربّ العالمين حمداً وشكراً منتهى رضاه ثم الصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته وسيد أنبياءه ورسله حبيب إله العالمين، وحبيبنا وطبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين الميامين المعصومين لا سيّما بقيّة الله في الأرضين الحجة بن الحسن العسكري، المهدي عجل الله فرجه الشريف وجعلنا من خيار شيعته ومواليه ومن المستشهدين بين يديه إنّه سميع الدعاء قريبٌ مجيب.

عن عبد السلام بن صالح الهروي المعروف (بأبي الصلت الهروي) قال سمعتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: ((رحم اللهُ عبداً أحيى أمرنا، فقلتُ له: كيف يُحيى أمرَكم؟ قال: يتَعَلّم عُلومَنا ويُعلِّمُها النّاس، فإنّ الناسَ لو علموا مَحاسنَ كلامنا لاتَّبعونا))

مستدرك الإمام الرضا (عليه السلام)

من المسلمات عندنا وعند جميع المسلمين أن نبيّنا الأكرم محمد (ص) لم يأخذ أجراً مادياً على تبليغه للرسالة الإسلامية، بل كان أجره كما وضح لنا القرآن الكريم المودة للقربى، قال تعالى: ((قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى))، حتى أن الإمام الشافعي نظم هذين البيتين:

فرضٌ من الله في القرآن أنزله

 

يا آل بيت رسول الله حبّكم

مَن لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

 

كفاكم من عظيمِ الشأن أنّكم

وكذلك وبن العربي نظم هذين البيتين من الشعر:

على رغم أهل البعد يورثني القربى

 

رأيت ولاء آله طه فريضةً

بتبليغه إلا المودة في القربى

 

فما طلب المبعوث أجراً على الـهدى

فكان لأهل البيت (عليهم السلام) حقوق على هذه الأمة الإسلامية ومن جملتها المودة ومن جملتها دفع الخمس لـهم، ومن جملتها قول الشعر فيهم ومن جملتها زيارة قبورهم ومن جملتها أخذ العلوم عنهم وذلك بسؤالـهم ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)). ومن جملتها احياء أمرهم كما في كما في الحديث الذي صدّرنا به المقالة عن إمامنا الرضا (عليه السلام) ومن قبل الإمام الرضا (عليه السلام) جدّه الإمام الصادق (عليه السلام) الذي أشار للفضل بن يسار أحد أصحابه حينما سأله الإمام الصادق (عليه السلام) أتجلسون وتتحدثون، فقلتُ له بلى، فقال الإمام إنّي أحبُّ تلك المجالس ((أحيوا أمرنا رحم الله من أحيى أمرنا أهل البيت))، وهنا دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) وكذلك دعاء الإمام الرضا (عليه السلام) لكل من يُحيي هذه المجالس والتي هي مجالس الذكر التي حثّنا عليها الأئمة (عليهم السلام) لأننا إذا ذكرنا أهل البيت كأننا ذكرنا الله عز وجل لأنهم أولياءه وأحباءه، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ((إنّا نحنُ إذا ذُكرنا ذكر الله عز وجل واذا ذُكر عدونا ذكر الشيطان)).

الوسائل الجزء الحادي عشر

والإحياء تارة بعقد المجالس والاجتماع فيها والاستماع إلى مناقب وسجايا وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وتارة يكون الإحياء بتدوين هذه الأخلاق والسجايا وجعلها في متناول الشباب والشابات لينهلوا منها أخلاق القرآن وتعاليمه، أخلاق الأنبياء والأئمة، وبالتالي يحبهم الناس ويتعلق بهذه الوجودات والذرات الطاهرة المطهرة ويزدادون حبّاً لـهم وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه ((فإنّ الناس إذا عرفوا محاسنَ كلامنا أحبونا واتبعونا))، جعلنا الله وجميع المؤمنين ممن يُوفق لإحياء أمر أهل البيت ومن الموفقين في أداء هذه المهمة الجليلة والتي هي من مهام الأولياء إنه سميع الدعاء قريبٌ مجيب.

وكان من دواعي السرور أن يكون السيد الفاضل محمد علي الحسيني (حفظه الله) ممن وفقه الله وأعانه في تقديم هذا الكتاب الحاوي على ذكر مجالس شريفة ومطالب نفيسة يقدمها لمحبي أهل البيت وخدمة المنبر عسى أن يكون ممن ساهم ولو بجزءٍ قليل من تلبية دعوة أجداده الطاهرين للأمر الذي ندبونا إليه وهو أحقّ في تلبية ندائهم لأنه ابنهم وفرع من تلك الشجرة الطيبة، ((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ... )).

وطلب منّي أن أقدّم مقدمة لكتابه هذا، فاستجبت له مع شغل البال، وضيق المجال وقلّة البضاعة، فكتبتُ هذه الأسطر تلبيةً لطلبه وتشجيعاً له وامتثالاً لما أدبنا الله عز وجل في القرآن ((وتعاونوا على البرِّ والتقوى)) راجياً من الكريم أن يتقبلها منّا بقول حسن إنّه يقبل اليسير ويجازي بالجليل الكثير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

        مصليا مستغفراً منيباً   

أبو علي البصري 

نزيل عش آل محمد

 


 

 

مقدمة المؤلف

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

واللعة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال الإمام الخامنئي روحي فداه:

((ينبغي على الخطباء:

                  إثارة عواطف الناس تجاه الحسين (عليه السلام)

                        وتوضيح واقعة عاشوراء

                               ومبادئها وإثارة المعرفة والإيمان)).

من خلال هذه الكلمة يحدد لنا السيد القائد وظيفة الخطيب الحسيني وهي ثلاث:

أولاً: إثارة عواطف الناس تجاه مظلومية الحسين (عليه السلام) التي لم يشهد التاريخ الإنساني مثلها. فَتُستذْرَفُ الدمعة التي يُعظم الأجر بها وتغفر الذنوب، وهذا ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام: ((فعلى مثلِ الحسين فليبكِ الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام)).

ثانياً: توضيح واقعة عاشوراء ومبادئها، وهذا ما صرّح به الإمام الحسين عليه السلام: ((إني لم أخرج أشِراً ولا بَطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّةِ جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ أصبر حتى يحكم الله واللهُ خيرُ الحاكمين)).

هذه الكلمات النورانية هي خلاصة المبدأ المحمدي الأصيل الذي مرجعه إلى كلمة النبي (ص) عندما جاءه عمّه أبو طالب ينقل له ما عرضته قريش عليه من مال وجاه، فقال (ص): ((والله يا عم، لو وضعوا الشّمس في يميني والقمرَ في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه)). يعني كل ما لدى الإنسان يبذل فداءً للرسالة، وهذا ما فعله الحسين الشهيد.

ثالثاً: إثارة المعرفة والإيمان. فعلى الخطيب أن يستفيد من هذا المظهر الإعلامي، ومن المجالس المكتظّة بالناس، كي يوسع نطاق بحثه فضلاً عن الموضوع الأساسي وهو عاشوراء، أن يتناول جميع العناوين الإسلامية الأخرى، من عقائد وأخلاق وسيرة، وسياسة وإجتماع، حتى يجعل من كربلاء واقعاً حاكياً عن الحال، وليس مجرد تاريخ مضى وانقضى ولا شُغل لنا به اليوم. وإنّما نثبت نظرية الإمام الخميني (قدس سره) حيث قال: ((كل ما لدينا هو من بركة عاشوراء)).

وعلى أثر هذا لبّينا نداء القائد الخامنئي، وحاولنا على قدر التوفيق الإلـهي أن نضع بين أيديكم كتاب (دموع الأبرار)، حيث جمعنا فيه عدد كبير من القصائد الحسينية مع شرحها وذكر الأطوار المختلفة.

كما وتطرقنا إلى بعض الإشكالات التي أوردت على الثورة الحسينية في سياق عرضنا لسيرته (عليه السلام)، وأجبنا عنها بالمقدار المناسب لحال هذا الكتاب.

كما وقد ذكرنا ترجمة أهل بيت الحسين (عليه السلام) وأصحابه والأماكن التي لـها علاقة بالواقعة، وأعداء الحسين (عليه السلام) الذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء.

وقد عرّجنا إلى بعض ما يتصل بواقع البحث، وهي مواضيع مختلفة كالنبوّة والإمامة وبعض المفاهيم الإسلاميّة كالدعاء وتهذيب النفوس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ونسأل الله أن تتسع الإستفادة من الروايات والقصائد والسيرة والأطوار والمصائب والنعي والآيات، وقد ذكرنا المصادر لكثيرٍ منها.

وأخيراً أخص بالشكر أستاذي سماحة الشيخ الخطيب أبي علي البصري وفقه الله وأيضاً بعض أساتذتي واخواني على ملاحظتهم القيمة التي وجهوها لنا فجزاهم الله خير جزاء المحسنين ووفقهم لخدمة الإسلام والمسلمين.

وأخيراً أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منّا هذا القليل فإنه يعطي الكثير بالقليل. ونلتمس من خطباء المنبر الحسيني الدعاء.

 

أقل ما أقدمه بين يديكم سيدي

أيها الطالب بدم المقتول بكربلاء

في مولدكم المبارك

            عبدكم محمد علي الحسيني

قم المقدسـة 15 شعبان 1422 هـ

 

 

 

المجلس الأول
 
  عظم الله أجوركم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان

بمصابِكم بجدِكم أبي عبد الله الحسين وآل بيته وأصحابه

صلى الله عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله

صلى الله عليك وعلى آلك المظلومين

لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين

صلى الله عليك يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله

يا صريع الدمعة الساكبة، ويا عبرة كل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتك لك الفدا
يا شهيد كربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العَمامة والرِدا

ما خاب من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم

يا ليتنا كنا معكم سادتي فنفوزَ والله فوزاً عظيماً

ما زال قوسُكَ نبلَهُ يَرمينا

 

كم يا هلال محرمٍ تُشجينا([1]

تركت فؤادَ محمدٍ محزونا 

 

كلُ المصائبِ قد تهونُ سوى التي

كي تَشفينَ من الحسينِ ضُغونا

 

يومٌ به ازدلفت طغاةُ أميةٍ

إلا المحدَدةَ الرقاقِ مُعينا

 

نادى ألا هل من معينٍ فلم يج

ما نالَ تغسيلاً ولا تكفين

 

فهوى على وجهِ الصعيدِ مبضعاً

تطوي سهولاً بالفلا وحُزونا

 

وسَرَوا بنسوتهِ على عُجُفِ المطا

برزت تُخاطبُ شامتاً ملعون

 

أَو مثلُ زينبَ وهي بنتُ محمدٍ

كان النبيُ برشفه مفتونا

 

فغدا بمحضرها يُقلبُ مبسماً

بعصاه ينكث لؤلؤاً مكنوناً[2]

 

نثرت عقيق دموعها لما غدا
 

 

وصاحت عندما رأت رأس أخيها الحسين أمام يزيد:

 (نعي شعبي)

تلعب عصى ايزيد على شفته

 

يحسين رأسك  حين شفته

صدّيتله ابحركه وندهت

 

ذاك الوقت وجهي لطمت

شلّت يمينك يالضربته

*  *  * 

(بحر طويل)

يبن العسكري حاله

قلبك هالمسيه اشلون

بين بالسمه اهلاله

ابعينك من شفت عاشور

قلبك ما جزع صبره

يا لبلواك بلوه أيوب

لكن تسكب العبره

عين الثار تِتْرباَك

ايب عينك اتنظره

كيف  اهلال المحر

هده اوزلزل اجباله

لو صبرك على المسكون

يالغايب او جاريه

عينك من تشوف الماي

وشعملوا بني ميه

ما تذكر اطفال احسين

على اخدوده تراچيه

الكم چم طفل تلعب

يلوج امن العطش والحر * اوكبده امن الضمه اتفطر * وامه ليه تتفكر([3])

*  *  *

هليت هليت                                                  (ابوذيه)

أو دمه عين الموالي بيك هليت

اهلال الكدر والاحزان هليت

لا تظهر أو تفرح بيك أمية

يشهر النوح علاسلام هليت

*  *  *

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

روى شيخُنا الصدوق في أماليه عن ثامن الحجج وثمرة المهج الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنه قال: من تَذكّرَ مصابَنا وبكى لما ارتكبَ منا كان معنا في درجتِنا يومَ القيامة. ومن ذَكّرَ بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينُه يومَ تبكي العيون. ومن جلسَ مجلساً يُحيى فيه أمرنُا لم يمتْ قلبُه يوم تموتُ القلوب([4]).

إن هذهِ الروايةَ تتحدثُ عن فضلِ وأهميةِ البكاءِ والجلوسِ وإحياءِ مصائبِ أهل البيت (عليهم السلام) فإن أهلَ البيت (عليهم السلام) من النبي(ص) الى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الى الزهراء (عليها السلام) والحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) والمعصومين من ذرية الحسين (عليه السلام)، قد لقوا المصائب الأليمة والكبيرة إبتداءاً من النبي (ص) حيث جاهد وهاجر واوذي في سبيل الله لكي يُوصلَ الرسالةَ التي من خلالِها تتم الحجة الإلهية على الناسِ، فأوصلَ الرسالة ودافعَ عنها حيث تعرضَ للإهانات والضرب والاغتيال والتهجير فقال(ص) : «ما أوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت»([5]).

مع هذا تحملَ وصَبرَ حتى أكملَ العمل وسلّمَ الولاية لعلي (عليه السلام)، وأيضاً كان نصيبُ الإمام من المصائبِ كبيراً جداً، حيثُ اغتُصبت منه الخلافة([6]) وهجموا على داره، الى ما حصل من مصائب معروفة حصلت للزهراء بنت الرسول(ص)من غصبِ فدك([7]) وإسقاطِ الجنين([8]). على أي حال مصائبُ أهلِ البيتِ(عليهم السلام) كثيرةٌ وصعبة فمن تذكر مصائبَ أهل البيت(عليهم السلام) كما في الروايةِ وبكى على ما فعلَه الأشرارُ بهم كانَ الباكي مع أهل البيت يوم القيامة، فيفوز فوزاً عظيماً وينجو من أهوال ومشاهد يوم القيامة.

وأما من ذَكّر أو ذُكّرَ بمصائبهم وأبكى وبكى لم تبكِ عينُه يوم تبكي العيون فإن البكاء عليهم له عدّة فوائد وخصوصاً على مصابِ سيد الشهداء.

 

 

فوائد وفضل البكاء على الحسين (عليه السلام)

 

الحسين (عليه السلام) عبرة المؤمنين:

 فهو عبرةُ كلِ مؤمنٍ ومؤمنة كما جاء في الحديث عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «الحسينُ بن عليٍّ (عليه السلام) أنا قتيلُ العَبرةِ لا يذكُرُني مؤمنٌ إلا بكى»([9]) ورواية أخرى: «أنا قتيلُ العَبرةِ قُتلتُ مكروباً»([10]).

عينه تكون ضاحكة يوم القيامة ولا تمسها النار:

قال رسول الله (ص): «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين فإنها ضاحكةٌ مستبشرةٌ بنعيمِ الجنةِ»([11])

ومن بكى عليه لم تمسَّ النارُ عينَه كما في الحديث: «عينان لا تمسهما النار عينٌ بكت من خشية الله وعين بكت على مصاب أبي عبد الله (عليه السلام) »([12]).

غفران الذنوب:

فإن من فوائد البكاء عليه (عليه السلام) غفران الذنوب وتحطيمها، كما جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام): «من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرجَ من عينهِ مثلُ جَناحِ الذبابِ غفرَ اللهُ ذنوبَهُ ولو كانتْ مثلَ زَبدِ البحرِ»([13])

وعن الإمام الرضا(عليه السلام): «فعلى مثلِ الحسين فليبكِ الباكون فإن البكاءَ عليه يحطُّ الذنوبَ العِظام»([14]).

 

الخلاصة:

إن البكاء عليه (عليه السلام) فيه الأجر والثواب الكثير والمغفرة وإن الدمعة الجارية على مصائب الحسين (عليه السلام) لا يعلم ما فيها من كثرة الثواب إلا الله تعالى وأنه غير محدود، والروايات كثيرة في هذا المضمار، كما جاء في كامل الزيارات، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار. لكل شيء ثواب إلا الدمعة فينا»([15]).

 

 

خواص البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام):

أسوة حسنة:

إن البكاء على الحسين (عليه السلام) فيه أسوة حسنة بالأنبياء والملائكة وعباد الله المخلصين، كما جاء في الحديث عن أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أربَعةُ آلافِ ملكٍ شعُثٍ غُبرٍ يبكونَ الحسينَ إلى أن تقومَ الساعةُ»([16]).

وعن الصادق (عليه السلام): «ما لكم لا تأتونه ـ قبر الحسين ـ فإن أربعة آلاف ملك يبكون عنده إلى يوم القيامة»([17]) نعم لم يبقَ نبيٌ مرسل ولا ملك مقرب ولا إنسان ولا جن ولا سماء ولا أرض ولا حجر ولا مدر إلا وبكى على مصاب سيد الشهداء(عليه السلام).

 

فيه أداء الحق:

إنه أداء لحق النبي(ص) والأئمة (عليهم السلام)، ففي الرواية عن زرارة قال، قال أبو عبد الله الصادق(عليه السلام): «إن الباكي ـ على الحسين ـ قد أدّى حقّنا»([18]).

 

صلة ومودة لرسول الله (ص):

إنه صلةٌ ومودة لرسول الله(ص)، فالحسين(عليه السلام) من أهل المودة الذين جعلهم الرسول(ص) أجراً على نبوته كما جاء في كتاب الله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)([19]).

 

إسعاد للزهراء (عليها السلام):

إنه إسعادٌ للزهراء سلام اللهِ عليها، فإنها تبكيه كلّ يوم، فقال الصادق (عليه السلام): «يا أبا بصير أما تحب أن تكون فيمن يُسعد فاطمة (عليها السلام)» ، ورواية أخرى: «وما من باكٍ يبكي إلا وقد وصل فاطمة (عليها السلام) وأسعدها عليه»([20])

 

خواص مجالس الحسين (عليه السلام):

أما الجلوس في مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)  فله أهمية وخصوصية وفضل كبير.

 

مجالس الحسين (عليه السلام) نصرة له:

فإن الجلوس في مجلس الحسين (عليه السلام) يعني نصرة له ولخطهِ ونهجهِ ومبايعة له من جديد فبذلك ينتصر الدمُ على السيف.

 

مجالس الحسين (عليه السلام) رفض لبيعة يزيد:

الجلوس في مجلس الحسين (عليه السلام) يعني الرفض لبيعة يزيد وخطهِ ونهجهِ وكل ظالمٍ وطاغيةٍ مثل يزيد لانه الراضي بفعل قوم كالداخل معهم، ونحن في الجلوس في مجلس الحسين (عليه السلام) يعني نقول له يا ليتنا كنّا معكم، فنتمنى أن نكون في جبهة الحسين وخط الحسين وجند الحسين والمستشهدين مع الحسين (عليه السلام) ضد يزيد وأمثال يزيد.

 

تعظيم لأعظم شعيرة:

الجلوس في مجالس الحسين (عليه السلام) هو تعظيم لأكبر شعيرة من شعائر الله وهو دليل على تقوى القلب ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.([21])

فالحسين (عليه السلام) هو أكبر شعيرة مثل الصلاة والصوم، والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خرج لإحياء هذه الشعائر، فمن يعظم ذكرى الحسين فإنها من تقوى القلوب.

 

مصعد التسبيح:

إن مجالسَ الحسين (عليه السلام) مصعد التسبيح، كما جاء عن ابان بن تغلب، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام): «نَفَسُ المهمومِ لظُلمِنا تسبيحٌ وهمُهُ لنا عبادةٌ وكتمان سرنا جهادٌ في سبيلِ الله»([22].

 

منظر الحسين (عليه السلام):

إن المجلسَ منظر الحسين (عليه السلام)، فإنه عن يمين العرش ينظرُ الى موضع معسكرهِ، ومن حلّ به من الشهداءِ وزوّاره ومن بكى عليه، كما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الحسينَ بن عليٍّ (عليهما السلام) عند ربّه عز وجل ينظر إلى معسكره ومن حلّه من الشهداء معه وينظر إلى زواره وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم، ومنزلتهم عند الله عز وجل من أحدكم بولده، وانه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آبائه (عليهم السلام) أن يستغفروا له»([23]).

 

المجالس قبة الحسين (عليه السلام):

إنّ مجالسَ العزاء قبّة الحسين (عليه السلام)، فكل مجلسِ خَضوعٍ خصوصاً لذكر الحسين (عليه السلام) ـ هو قبة الحسين (عليه السلام) فللمجلس تأثير([24]) في إجابة الدعاء، كتأثير الدعاء تحت قبة الحسين (عليه السلام).

 

تحيي القلوب وإحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام):

إن مجالس الحسين (عليه السلام) كما في رواية الإمام الرضا (عليه السلام) تحيي القلوب، «مَن جلسَ مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب».

وإن مجالس الحسين (عليه السلام) إحياء لأمر أهل البيت(عليهم السلام) وهم يحبونها ويوصون بها، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فأحيوا أمرنا فرحمَ اللهُ مَن أحيا أمرنا»([25]).

ولا ننسى أن مجالس الحسين (عليه السلام) تكون في محضر الزهراء(عليها السلام)، كما ورد في مضمون الأحاديث: «ما عُقد مجلسٌ وكانَ فيهِ إثنان إلا وكانتْ الزهراء (عليها السلام) ثالثة»، فإنها لم تكن غائبة عن ولدها الحسين (عليه السلام) حتى يوم عاشوراء([26])، بل كانت حَاضرة بروحِها يوم العاشر، وشاهدت تلكَ المشاهد المروّعة من عطشِ الأطفالِ وذَبحهم وقتل الحُسينِ وأصحابه إلى سبي النساءِ وفصلِ الرؤوس عن الأجسادِ، وكانت تَنتقل مع رأس الحسين (عليه السلام) من مكانٍ إلى مكان، ومن بلدةٍ إلى بلدة، ولهذا يُروى: أن عمر بن سعد لما بَعث برأسِ الحسين (عليه السلام) مع خُولَّى بن يزيد الأصبحي([27]) إلى ابن زياد أقبل خُولَّى بالرأس الشريف إلى قصر الإمارة فوجد باب القصر مُغلقاً فأتى بالرأسِ إلى منزله ثم وضَعهُ تحتِ أُجانة ثم آوى إلى فراشه فقالت له زوجته: ما الخبر وما عِندك؟ قال: جِئتُكِ بخير الدنيا (بماذا جئتني) قال: هذا رأسُ الحسين معكِ في الدارِ. قالت: ويلك الناسُ يأتون بالذهبِ والفضةِ، وأنتَ تأتيني برأسِ ابن رسول الله، لا والله لا جَمعتْ رأسي ورأسكَ وسادة أبداً([28]).

تقول هذه المرأة: خرجتُ ليلاً وإذا بنورٍ يَسطعُ مثل العمود من تحت الاجانة إلى السماء([29])، وسمعتُ هاتفةً تقول: «يا بُني قتلوكَ، وما عرفوك، ومِن شربِ الماء منعوك»([30]). ولا زالت الزهراء(عليها السلام) تَحضرُ كلَ مجلس يعقد باسم الحسين (عليه السلام) وشعارها البكاء والنِياحة وقولها: يا بُني قتلوكَ، وما عرفوك، ومِن شربِ الماء منعوك.

(نعي مجاريد)

وادور عزا ابني وين ما كان

 

أنا الوالده والگلب لهفان
 

أو لِعبت عليه الخيل ميدان

 

جِسمه طريح ولا له اكفان
 

او طُول الدهر ما كَلّ حزنها
 

 

أنا الوالده المذبوح ابنها

سبعين جثة ابدور كنها

 

مُصيبه اويشيب الطفل منها

أو زينب حده الحادي ابضعنها

 

بالمعركة محّد دفنها
 

 

(بعد) الزهراء عندها طلب منك أيها الموالي يا حبيب الحسين، تريدك أن تساعدها على البكاء على أبي عبد الله.


 

(عاشوري)

على ابني الذي حزوا رقبته آه  آه

وين اليواسيني ابدمعته

 

اويلاه يبني الما حضرته

آه  آه

او تمت ثلث تيام جثته

اولا غسلت جسمه أو دفنته

 

(نعي مجاريد)

عله احسين وأصحابه ورضيعه

 

وين اليواسيني يشيعه
 

أبو فاضل اكفوفه قطيعه

 

وابن والده عين الطليعه

مطروح نايم علشريعه([31])

*  *  *

(تخميس)

عَفيرَ المُحيّا مُمكِناً فيه حدَه

 

قَضى وبسيفِ الشمر ارواه وِردَهُ

إذن للطمتِ الخدَّ فاطمُ عندهُ

 

ولو أبصرتْ عيناكِ في التربِ خدهُ

وأجريت دمعَ العين في الوجناتِ

*  *  *

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 إنا لله وإنا إليه راجعون

وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمدٍ أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين

 نسألك اللهم وندعوك باسمك العظيم الأعظم الأعز الأجل الأكرم يا محمود بحق محمد، يا عالي بحق علي، يا فاطر السماوات والأرض بحق فاطمة، يا محسن بحق الحسن، يا قديم لإحسان بحق الحسين (عليه السلام) عجل فرج وليك الحجة المنتظر المهدي (عج) وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه والحاضرين تقبل اللهم عملهم بأحسنَ القبول واقضِ حوائجهم بحق محمد وآل محمد اجعل قلوبَهم وديَارهم عامرة بذكر محمد وآل محمد  وارزقهم شفاعة محمد وآل محمد واغفر لهم بحق محمد وآل محمد واحشرهم مع محمد وآل محمد.                 

أمَّن يجيبُ المضطرَ إذا دعاهُ ويكشفُ السوءَ

الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمد وآل محمد (ص).


 


[1]ـ تحزننا، تحركنا. 2 ـ حشدت، نزلت.  3ـ الخيل الهزيل الذي لا يوجد عليه سرج.
[2]ـ سحر بابل وسجع البلابل. مجمع المصائب ج1 ص21.

[3]- منهل الشرع ج1 ص109.

[4]ـ البحار: ج44، ص278. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1 ص294.

[5] ـ البحار: ج39، ص55. المناقب: ج3 ص247.

    [6]ـ بعد أن جعله الرسول(ص) خليفة على الأمة من بعده بأمر من الله. ونبه أمام المسلمين في غدير خم فقال(ص): «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، من كنت أنا نبيه فعلي إمامه». والروايات متواترة في ذلك لا ينكره لا الخاصة ولا العامة، إلا أن نكثوا البيعة ونصبوا الخليفة الأول على المسلمين بدلاً من الإمام الحقيقي الذي نصبه الله ورسوله(ص).

[7] ـ وهي أرض قريبة من خيبر ورّثها النبي(ص) لابنته فاطمة (عليها السلام)، ووصف الأرض كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص208، قال(عليه السلام): «كانت في أيدينا فدكُ من كلِ ما أضلتهُ السماءُ­»، فخاف الخليفة الأول والثاني من أن الأموال والخيرات التي سوف تخرج من أرض فدك سوف تكون عوناً للحزب العلوي، فمنعوها (عليها السلام) إرثها وهذا على وجه، والتفاصيل موجودة في كتاب (فدك) للمظفر، والبحار
ج6 ص107، فراجع.

[8] ـ وهو محسن ابن علي (عليه السلام) الذي اسقطته وراء الباب عندما دخلوا على الدار، والحادثة معروفة بحادثة الدار، وتحدث عنها سليم بن قيس الهلالي في كتابه فراجع.

[9]  ـ مستدرك وسائل الشيعة: ج10 ص311. البحار: ج44 ص279.

[10]  ـ وسائل الشيعة: ج14 ص422.

[11]  ـ البحار: ج44 ص292.

[12]  ـ الخصال للصدوق: ص27.

 [13] ـ البحار: ج44، ص289. ثواب الأعمال للصدوق: ص189. تفسير القمي: ج2، ص292.

[14]  ـ البحار: ج44، ص283. الوسائل: ج14، ص504. الأمالي للصدوق: ص128.

[15]  ـ نجاة الأمة: ص38.

[16]  ـ الوسائل: ج14 ص420. البحار: ج45 ص222.

[17]  ـ البحار: ج45 ص22.

[18]  ـ كامل الزيارات: ص81.

[19]  ـ الشورى: 23.

[20]  ـ كامل الزيارات: ص81. نجاة الأمة: ص50.

[21] ـ الحج: 31.

[22] ـ الكافي: ج2، ص226. البحار: ج44، ص278. أمالي الطوسي: ص115. أمالي المفيد: ص338.

[23] ـ أمالي الشيخ. نجاة الأمة: ص41.

[24]ـ فإن إجابة الدعاء تحت قبته السامية هي مما خوله الله للحسين (عليه السلام) عوضاً عن الشهادة كما جاء عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد (عليهما السلام) يقولان: «إن الله تعالى قد عوض الحسين من قتله أن جعل الإمامة في ذريته وإجابة الدعاء عند قبره والشفاء في تربته»، الأمالي للطوسي، معالي السبطين ج1 ص123.

[25]ـ مصادقة الإخوان: ص32. وسائل الشيعة: ج12 ص22. الأمالي لطوسي: ص58. البحار: ج1 ص 202 و ج44 ص278.

[26]ـ هو يوم: 10 محرم سنة 61 هـ، اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) عطشاناً مذبوحاً في أرض كربٍ وبلاء.

[27]ـ هو خولى بن يزيد الأصبحي الإيادي الآباني الدرامي كان في جيش عمر بن سعد الذي حارب الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، فلما وقع القتال رمى عثمان بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بسهم فصرعه، ولما سقط الإمام الحسين (عليه السلام) على الأرض بعد أن اشتدت عليه الضرب والطعن، تقدم خولى وأراد أن يحتز رأسه الشريف، إلا أنه ضعف وأرعد. تولى حمل رأس الإمام (عليه السلام) إلى الكوفة. قبض عليه في الكوفة سنة (66هـ) من قبل رجال المختار بن أبي عبيدة الثقفي وقتلوه. ورد لعنه في زيارة الناحية المقدسة بعد السلام على عثمان بن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لعن الله راميه بالسهم خولّى بن يزيد الأصبحي الإيادي الأباني الدرامي». الكامل في التاريخ: ج4 ص76. تاريخ الطبري: ج4 ص464.
الإقبال: 49.

[28]  ـ الكامل في التاريخ: ج4 ص80 ـ 81. تاريخ الطبري: ج3.

[29]  ـ البداية لابن كثير: ج8 ص190. مصائب آل محمد: ص397.

[30]  ـ البحار: ج45 ص316.

[31]  ـ مجمع المصائب ج1 ص30.